|
"لئلا يطمع
فينا الشيطان لأننا لا نجهل افكاره" (2كو2: 11)
2-
خوف الليل: "لا تخشى من خوف الليل"
الأسلوب الرابع الذى يستخدمه العدو هنا هو خوف الليل وبالتأكيد كالمرات
السابقة، لا يقصد الكاتب أنه يخاف من السير ليلاً لوحده مثلاً ولكن
يتكلم عن سلاح يستخدمه العدو معنا وقبل الحديث عن خوف الليل، لابد لنا
أن نُفرق بين نوع ين من الخوف:
1-
الخوف الطبيعى: وهو الخوف الذى له اسباب منطقية، مثلاً إذا انت مُقبل
على امتحان أو مُقبل على عملية جراحية ستُجرى لك أو اصابك مرض خطير او
تواجهك مشكلة حقيقية وهو طبيعى فالله نفسه سمح بوجوده فى حياتنا ووضع
فى اجسادنا ميكانيكية التعامل معه إذ تفرز الغدة الكظرية- فوق الكلية-
هرمون الادرينالين وينتج عنه زيادة عدد ضربات القلب والتعرق و.....
فهذا النوع من الخوف طبيعى لا يكرهه الله أو يرفضه ولكن إن زاد عن حجمه
فحينئذ يتعامل الله معه لكى يعيده الى حجمه الطبيعى.
وفى
كثير من الأحيان يكون هذا الخوف مفيد وغير ضار منها مثلاً ما ذُكر عن
نوح أن "بالإيمان نوح لما أوُحى اليه عن أمور لم تُر بعد خاف فبنى
فلكاً لخلاص بيته" فكثيرون منا سيذهبون للسماء لأنهم بدأوا علاقتهم مع
الله عن طريق خوفهم من جهنم ومن قضاء الله على خطاياهم بعدما سمعوا
بهذه الرسالة من الله مثل نوح.
2-
خوف الليل: وهو الذى يتحدث عن الكاتب هنا لأن هذا النوع من الخوف هو
الذى يستخدمه العدو ضدنا وهو يختلف عن الخوف الطبيعى أنه لا اساس له أى
ان العدو يخيفنا بأشياء غير حقيقية، وسُمى هذا الخوف بخوف الليل لأن
الليل كما قلنا من قبل عن الظلام أنه وقت غياب الحضور أمام الله، أى
وقت الضعف الروحى الذى نبتعد فيه عن مصدر النور فنسير فى ظلام وهنا
يستغل العدو ضعفنا وظلمتنا ليبث فينا افكار كاذبة بخصوص امر معين أو عن
المستقبل لكى يخيفنا ويشل حركتنا بل والاكثر من ذلك أنه عند استجابتنا
لمخاوفه وتفاعلنا معه أنه يصبح له الحق حينئذ أن يتمم ما نخاف منه إذ
فتحنا الطريق له للتدخل فى حياتنا.
يخبرنا الكتاب عن الشيطان أن "ابليس خصمكم كأسد زائر" فهو أسد قوته فى
زئيره فى تخويفه لنا ليس له السلطان أن يفعل أكثر من هذا إذا انتهرت
افكاره كما يوصينا الكتاب "قاوموا ابليس فيهرب منكم" أما اذا لم تقاومه
بل استجبت لمخاوفه فحينئذ سيُعبدنى لظلام أبعد ومخاوف اكبر حتى يصير له
السلطان أن يتمم ما تخاف منه. إن ابليس هو اعظم كاتب سيناريو فى العالم
يرسم فى اذهاننا صور للمستقبل معظمها كذب فهو يوهمنا بامور معظمها
اوهام لن تحدث وهو ليس له اى سلطان عليها طالما نحن فى النهار ويحاول
بها أن يؤثر على مشاعرنا وتوجهاتنا وعلاقاتنا ولكن عند الرجوع للنور
نكتشف ان ابليس كذاب وابو الكذاب واننا نخطئ بالاستماع اليه ونجد الله
يخبرنا بالا نخشى من خوف الليل بل أن نطرده الى خارج.
من
اغرب امثلة الكتاب التى خافت هو شخص لا يتوقع منه أحد أن يأتى عليه يوم
ليخاف وهو "ايليا" الذى وقف فى يوم على جبل الكرمل أمام 450 نبى للبعل
وبعدما نزلت النار من السماء على ذبيحته أعلن الكل أن الرب هو الله
وهذا النبى العظيم أخذ يذبح الأنبياء واحداً فواحداً... ولكن هذا النبى
النارى قد سقط أمام خوف الليل!!
والسبب فى هذا أن حال ايليا حال كثير من الأمناء الذين يستعجلون توقيت
الرب فانه بعدما انتظر ثلاث سنوات ونص يعيش عالة على النهر والغراب ثم
على الارملة ثم يأتى اليوم العظيم على جبل الكرمل لاعلان صدق هذا النبى
وعظمة اله اسرائيل أن ايليا توقع أن فى صباح اليوم التالى ستأتيه
الاخبار أن الشعب هبَ هبة رجل واحد وذهبوا للقصر الرئاسى وقتلوا آخاب
وايزابل ودمروا كل الهتهم الأصنام وجاءوا ليحملوا ايليا على الاعناق
ويجعلوه مثلاً قاضياً عليهم أو مشيراً لهم فى أمور الله.
لقد
ظن ايليا ان كل هذا سيحدث بالتأكيد فقد قال فى قلبه ماذا يُمكن أن
يُفعل بعد فقد فعلت كل شئ واعلنت الاله الحقيقى امام الجميع وقتلنا
انبياء البعل لذا حان الوقت لتصحيح الأوضاع وابتداء النهضة الروحية
وزوال الملك آخاب وامرأته ولكن فوجأ ايليا فى الصباح بخطاب قادم له من
ايزابل "هكذا تفعل بك الالهة وهكذا تزيد إن لم أجعل نفسك كنفس واحدة
منهم فى نحو هذا الوقت غداً" أمازالة هنا ايزابل لم تقتل ومازال هناك
الهة بل وستقتلنى وتنتقم منى.. هذا كله ادى الى احباط شديد لايليا دفعه
الى الظلام بعدما وجد سيناريو مغايراً لما تخيل فابتعد عن النور واصابه
خوف الليل وذهب هروباً الى جبل سيناء هنا فى مصر ثم تخاطب معه الله
النور وسأله "مالك ههنا يا ايليا؟!" فقال "غرت غيرة رب الجنود لأن بنى
اسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك وقتلوا انبياءك بالسيف فبقيت انا
وحدى وهم يطلبون نفسى ليأخذوها" آه كيف تكونت كل هذه الافكار الكاذبة
فى ذهن ايليا؟ بالابتعاد عن النور والاستسلام لافكار العدو حتى أن كل
ما قاله وتوقعه واعتبره حقيقة كان كذباً وهماً فلم يترك الشعب العهد مع
الله ولم يهدموا المذابح ولم يقتلوا الانبياء لا بالسيف ولا بغيره ولم
يبق هو وحده حتى أن الله قال له "قد أبقيت فى اسرائيل سبعة الاف كل
الركب لم تُحن للبعل" وأظن الله قال له انه لعلمك يا ايليا لن تموت عن
طريق ايزابل بل ولن تموت نهائياً بل سأصعدك حياً عندى للسماء دون موت
لتعلم أن كل ما صدقته وخفت منه كان كاذباً فالأمور فى يدى انا لا فى يد
ايزابل وبكن قال الله له امر خطير "اذهب امسح اليشع نبياً عوضاً عنك"
اى قد انتهى عملك يا ايليا لأنك خفت خوف الليل فلا يمكنك الاستمرار
كرجل يخدمنى بل اذهب واعط مكانك لغيرك وتعال انت عندى هنا...."
بقلم
رامى شوقى |